يكتب مهموت أوزر عن سلسلة من الأحداث التي قد تبدو متباعدة جغرافيًا وزمنيًا، لكنها تكشف عن مشكلة جوهرية واحدة: غياب الرقابة على السلطة وقدرة البشر على الانحراف في اتجاهات متعددة. تكشف ملفات جيفري إبستين، التي تحتوي على ملايين الصفحات، عن علاقات فاسدة بنى فيها إبستين شبكة واسعة من النخب، تشمل سياسيين ومليارديرات وأعضاء من العائلات الملكية وشخصيات إعلامية، ما أظهر حقيقة مزعجة عن عالم النخبة المغلق: غالبًا ما يعيش أصحاب السلطة في عالم غير مرئي يحكمه قواعده المظلمة الخاصة.
يشير المقال إلى أن هذه الظاهرة لا تتعلق بجريمة فردية فقط، بل تمثل مشكلة سياسية أعمق: ضعف مساءلة النخب العالمية. فقد أظهرت فضيحة إبستين ما كان المجتمع يلمسه منذ زمن: أن أصحاب النفوذ غالبًا يعيشون وفق قواعد تختلف عن تلك المفروضة على الأفراد العاديين. تكشف الملفات كيف تعمل الشبكات النخبوية في العصر الحديث، وما يبرز هو أن تركيز السلطة في عصرنا الحالي يضعف المساءلة، ويجعل المسألة ليست مجرد جريمة فردية بل سمة أساسية للهيكل المؤسسي الحديث.
تكرار الأنماط في السياسة الدولية
يتجلى نفس نمط القوة والمسؤولية المنعدمة في السياسة الدولية، حيث يؤدي غياب المساءلة إلى حروب غير عادلة وكوارث إنسانية. على سبيل المثال، شهدت البوسنة والهرسك في التسعينيات مذبحة سريبرينيتسا، حيث قُتل آلاف المسلمين البوسنيين في أيام معدودة، بينما اكتفت المؤسسات الأوروبية والأمم المتحدة والقوى الكبرى بالمراقبة دون تدخل. أظهرت هذه الأحداث فجوة كبيرة بين المبادئ الأخلاقية المعلنة للنظام الدولي وواقع السلطة.
تواجه المنظومة الدولية تضادًا عميقًا: بينما تُدافع عن حقوق الإنسان كقيمة عالمية، تُطبق هذه الحقوق بطريقة انتقائية. ففي مناطق معينة، تحفّز حياة الإنسان استجابة عالمية، بينما تُختزل في مناطق أخرى إلى مجرد إحصاءات، ما يثير الإحباط العالمي تجاه الغرب ومصداقيته في حماية الحقوق الإنسانية.
غزة وإيران: وجوه الأزمة نفسها
تعكس الأحداث في غزة والحرب المحيطة بإيران نفس النقاش حول الضمير العالمي. سقوط عشرات الآلاف من المدنيين، بمن فيهم الأطفال، يثير التساؤل عن الانتقائية في تطبيق القانون الدولي وحقوق الإنسان. تُظهر هذه الحالات أن الأزمة ليست مجرد سياسية أو عسكرية، بل ترتبط بالإطار القيمي الذي يغذي الحضارة الحديثة، حيث يُركز الفكر الغربي المعاصر على حرية ومصلحة الفرد، ويعطي أولوية للسلطة على الحساب الأخلاقي تجاه الآخرين.
تفسر نظرية توازن القوى في العلاقات الدولية هذا المنطق، حيث يُنظر إلى الآخر غالبًا كتهديد محتمل أو منافس، وتسمح هذه النظرة للنخب بالتصرف بطرق منفصلة عن المجتمع الذي يعيشون فيه، دون إدراك خطأ تصرفاتهم حتى تنكشف. في هذا السياق، تُسهم حياة الآخرين، وخصوصًا حياة المسلمين، في التقييم والتقليل من قيمتها، ما يجعل أي محاولة لمواءمة الخطاب الأخلاقي المعلن مع الممارسات السياسية الفعلية غير مجدية.
أزمة الشرعية والفراغ الأخلاقي
يُشير المقال إلى أن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة سياسية أو عسكرية، بل أزمة شرعية أعمق. تكافح الإنسانية منذ زمن لإرساء مؤسسات تحد من السلطة وتجعلها مسؤولة، لكن النظام العالمي المعاصر أظهر أن هذه المسألة أصبحت مشكلة أساسية للترتيب الدولي بأسره. يزداد سخط الناس تجاه التناقضات المستمرة في التعامل مع حياة البشر، ويظهر استياء عالمي من النظام الذي يقدّر حياة الإنسان حسب الموقع الجغرافي أو الدين أو المصالح السياسية.
تؤكد التجربة التاريخية أن أي نظام قوة يفقد شرعيته الأخلاقية سرعان ما ينهار. لذلك، السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع العالم إرساء نظام أخلاقي جديد يضع الإنسان، ككائن ذي قيمة وكرامة، في مركز الاهتمام بدل السلطة؟ فحين تُقلل قيمة حياة الآخرين، تنهار أقوى الأنظمة في نقطة ضعفها الأساسية.

